ابن عجيبة

496

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : كل ما يبعد العبد عن حضرة ربه فهو من أكبر الكبائر ، فمن اجتنب ذلك واتقى كل ما يشغله عن الله أدخله الله مدخلا كريما ، وهو حضرة الشهود والتلذذ برؤية المعبود ، والترقي في أسرار الحبيب الودود . قال الورتجبي : قال أبو تراب : أمر الله باجتناب الكبائر ، وهي الدعاوى الفاسدة ، والإشارات الباطلة ، وإطلاق اللفظ بغير الحقيقة . ه . ولما قسّم الله المواريث على ما تقدم ، قال بعض النساء : ليتنا استوينا مع الرجال ، أو يكون لنا سهمان ؛ لأننا أحوج منهم ، فأنزل الله : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 32 ] وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ( 32 ) يقول الحق جل جلاله : وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ من الميراث « 1 » بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ ، كتضعيف الذكر على الأنثى ، فللرجال نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا أي : مما أصابوا وأحرزوا في القسمة ، وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ منه ، قلّ أو كثر ، فلتقنع بما قسم الله لها ، ولا تعترض على أحكام الشريعة ، ولكن سْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ يعطكم من غير الميراث ، هكذا فسرها ابن عباس . وقال مجاهد : قالت أم سلمة : يغزو الرجال ولا نغزو ، فليتنا رجال نغزو ، ونبلغ ما يبلغ الرجال . فنزلت . فيكون المعنى : ولا تتمنوا ما فضل الله به الرجال على النساء كالغزو وغيره ، فللرجال نصيب مما اكتسبوا من ثواب الجهاد وسائر أعمالهم ، ( وللنساء نصيب مما اكتسبن ) من طاعة أزواجهن وحفظ فروجهن وسائر بقية أعمالهن . والتحقيق أنها عامة في جميع المراتب الدينية والدنيوية لأن ذلك ذريعة إلى التحاسد والتعادي ، ومعربة عن عدم الرضا بما قسم الله له . ، وإلى التشهي لحصول الشيء له من غير طلب ، وهو مذموم ؛ لأن تمنى ما لم يقدر له ، معارضة لحكمة القدر ، وتمنى ما قدر له بكسب ، بطالة وتضييع حظ ، وتمنى ما قدر له بغير كسب ، ضياع ومحال ، قاله البيضاوي . فللرجال نصيب من أجل ما اكتسبوا من الأعمال ، وتحملوا من المشاق ، فيعطيهم الله على قدر ما اكتسبوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ كذلك ، فلا فائدة في تمنى ما للناس ، ولكن ( اسألوا الله من فضله ) يعطكم مثله ، أو أكثر من خزائنه التي لا تنفد . إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً وهو يعلم ما يستحقه

--> ( 1 ) سيذكر الشيخ بعد أن الآية عامة .